القرطبي
233
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
المعنى استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم ، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به ، فيكون الرد على الجميع أوكد في الحجة عليهم . قلت : هذا هو معنى قول مجاهد . قال مجاهد : معنى : " وادعوا شهداءكم " أي ادعوا ناسا يشهدون لكم ، أي يشهدون أنكم عارضتموه . النحاس : " شهداءكم " نصب بالفعل جمع شهيد ، يقال : شاهد وشهيد ، مثل قادر وقدير . وقوله : ( من دون الله ) أي من غيره ، ودون نقيض فوق ، وهو تقصير عن الغاية ، ويكون ظرفا . والدون : الحقير الخسيس ، قال : إذا ما علا المرء رام العلاء * ويقنع بالدون من كان دونا ولا يشتق منه فعل ، وبعضهم يقول منه : دان يدون دونا . ويقال : هذا دون ذاك ، أي أقرب منه . ويقال في الاغراء بالشئ : دونكه . قالت تميم للحجاج : أقبرنا ( 1 ) صالحا - وكان قد صلبه - فقال : دونكموه . قوله تعالى : ( إن كنتم صادقين ) فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة ، لقولهم في آية أخرى : " لو نشاء لقلنا ( 2 ) مثل هذا " [ الأنفال : 31 ] والصدق : خلاف الكذب ، وقد صدق في الحديث . والصدق : الصلب من الرماح . ويقال : صدقوهم القتال . والصديق : الملازم للصدق . ويقال : رجل صدق ، كما يقال : نعم الرجل . والصداقة مشتقة من الصدق في النصح والود . قوله تعالى : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ( 24 ) قوله تعالى : ( فإن لم تفعلوا ) يعني فيما مضى ( ولن تفعلوا ) أي تطيقوا ذلك فيما يأتي . والوقف على هذا على " صادقين " تام . وقال جماعة من المفسرين : معنى الآية وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا ، فإن لم تفعلوا فاتقوا النار . فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على " صادقين " .
--> ( 1 ) أقبرنا ، أي ائذن لنا في أن نقبره . وصالح : هو صالح بن عبد الرحمن مولى تميم ، كان كاتبا للحجاج ، ويرى رأى الخوارج . ( 2 ) راجع ج 7 ص 397